ابن كثير

36

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

مصلية « 1 » ، وقد سموا ذراعها وكان يعجبه الذراع ، فتناوله فنهش منه نهشة فأخبره الذراع أنه مسموم فلفظه ، وأثر ذلك في ثنايا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفي أبهره ، وأكل معه منها بشر بن البراء بن معرور فمات فقتل اليهودية التي سمتها ، وكان اسمها زينب ، فقتلت ببشر بن البراء « 2 » . ووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه ، ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا . وفي الحديث الآخر : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، أضافه يهودي ، على خبز شعير وإهالة سنخة ، يعني ودكا « 3 » زنخا . وقال ابن أبي حاتم : قرئ على العباس بن الوليد بن مزيد ، أخبرنا محمد بن شعيب ، أخبرني النعمان بن المنذر ، عن مكحول قال : أنزل اللّه وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [ الأنعام : 121 ] ثم نسخه الرب عز وجل ، ورحم المسلمين فقال الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ فنسخها بذلك ، وأحل طعام أهل الكتاب ، وفي هذا الذي قاله مكحول رحمه اللّه نظر ، فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب ، إباحة أكل ما لم يذكر اسم اللّه عليه لأنهم يذكرون اسم اللّه على ذبائحهم وقرابينهم ، وهم متعبدون بذلك ، ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ، ومن شابههم ، لأنهم لا يذكرون اسم اللّه على ذبائحهم ، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة ، بل يأكلون الميتة بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم من السامرة والصابئة ومن يتمسك بدين إبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء ، على أحد قولي العلماء ونصارى العرب ، كبني تغلب وتنوخ وبهرا وجذام ولخم وعاملة ومن أشبههم ، لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور . وقال أبو جعفر بن جرير « 4 » : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن محمد بن عبيدة ، قال : قال علي : لا تأكلوا ذبائح بني تغلب ، لأنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر . وكذا قال غير واحد من الخلف والسلف . وقال سعيد بن أبي عروبة : عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب والحسن ، أنهما كانا لا يريان بأسا ، بذبيحة نصارى بني تغلب . وأما المجوس ، فإنهم وإن أخذت منهم الجزية تبعا وإلحاقا لأهل الكتاب ، فإنهم لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ، خلافا لأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي ، أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل . ولما قال ذلك واشتهر عنه ، أنكر عليه الفقهاء ذلك ، حتى قال عنه الإمام أحمد : أبو ثور كاسمه ، يعني في هذه المسألة ، وكأنه تمسك بعموم حديث روي مرسلا

--> ( 1 ) أي مشوبة . ( 2 ) سنن أبي داود ( ديات باب 6 ) وسنن الدارمي ( مقدمة باب 11 ) وصحيح مسلم ( سلام حديث 45 ) ( 3 ) الودك : دسم الدهن . والإهالة : كل شيء يؤتدم به . والسنخة : المتغيّرة الريح . ( 4 ) تفسير الطبري 4 / 441 .